قبل أن أبدأ أود أن أقول: إن كلماتي التالية ليست دعوة من أجل الرجوع إلى الخلف، لكنها دعوة للرقابة والتقويم والمحاسبة.
أعود إلى الموضوع.. تكنولوجيا العصر متمركزة في وسائل الاتصال عبر الهاتف النقال، وشبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ).. هما اختراع بشرى مُذهل.. بهما قُصِرت المسافات، و اختزلت الأوقات، وقُضيت الأعمال، وبهما صار العالم صفحة مفتوحة يُمكن الاطلاع على ما فيها في أي وقت وبمنتهى اليسر، حتى تحول الجوال والانترنت بمرور إلى ضرورة لا غنى عنها في ظل ثورة المعلومات.
ورغم الأهمية المُلحة للاختراعين، إلا أن هاجساً مُقلقاً يسيطر على النفس ويملأ القلب حزناً ريثما نسمع ونرى عن استخدامهما فيما يدمر الأخلاق، ويهدم العفة، ويخدش الحياء، وينشر الفحشاء والرذيلة، بل وبسبب استخدامها السيئ تفككت أسر، وفُضحت حرمات، وتشرد أبناء، الأمر الذي لا يصح معه السكوت صيانة للأعراض والحُرمات.
لقد عاينت بعيني رأسي تلاميذ يتناقلون ما لديهم من مقاطع فيديو عبر التليفون النقال باستخدام وظيفة "البلوتوث" في الطريق العام، حتى وصل انشغالهم بما يصنعون إلى عدم شعورهم بالطريق أو بالمارة الذين ينظرون إليهم، وكأن سحراً قد أصابهم فانقطعوا بكل جوارحهم نحو ما تفعله هذه الآلة العجيبة، فمن المسئول عن تعلق هذا الشباب الغض بتلك الأجهزة؟ وما هي الضرورة الملحة التي تفرض استعماله من قبل هؤلاء الصغار؟ وأين دور الأسرة والمجتمع والمؤسسات التربوية من تقنين استخدام هذه الآلة.
لقد أصبح الدخول على الانترنت من خلال النقال أو الحاسوب أمراً ميسوراً، مما جعل تصفح المواقع الإباحية والنسخ منها إلى الكمبيوتر ثم إلى الجوال أمراً يعلمه الصغار قبل الكبار، ومع انخفاض أسعار أجهزة التليفون المحمول والكمبيوتر زاد الأمر خطورة، حيث انتشرت تلك الأجهزة في أيدي طلاب المدارس بشتى مراحلها التعليمية، فبات النقال والكمبيوتر مثل الكتاب والكراسة والقلم، بل لقد تفوقت جاذبيتهما على جاذبية الكتاب و تحصيل العلم، ولا أسهل من يخرج التلميذ تليفونه المحمول أثناء الحصة فيتجول بين وظائفه وقوائمه منشغلاً بذلك عن مدرسه داخل الفصل الدراسي وهو لا يعلم.
إن الأمر يتطلب وقفة جادة وصادقة قبل تفاقم المصيبة وذلك من أجل وضع حلول عملية لاستخدام هذه التكنولوجيا على الأقل من جانب طلبة المدارس، في آلية متكاملة تنظم استخدام التلميذ لها....
« أولاً » لماذا لا يتم تخصيص أجهزة بمواصفات ووظائف معينة للتلاميذ، إن كان لا مفر من استخدامهم لها من أجل التواصل مع الأسرة والأصدقاء، على أن يتم إلزام الشركات البائعة بتلك المواصفات؟.
« ثانياً » لماذا لا تمنع المدارس استخدام التليفون المحمول أثناء اليوم الدراسي، من باب توجيه تركيز الطلاب نحو تحصيل دروسهم بلا شاغل؟.
« ثالثاً » لماذا يرضخ ولى الأمر لإلحاح ولده فيشترى له ما يشاء من تلك الأجهزة بلا ضرورة، ومن هي الطريقة التي تضمن حسن رقابته على حسن استخدام ولده لهذه التقنية؟
« رابعاً » لماذا لا توضع برامج سرية داخل أجهزة الكمبيوتر لدى شرائها لمراقبة عمل المراهقين عليها، ولماذا لا تتم عملية "الترشيح" للمواقع الالكترونية.
يجب أن لا تتخلى الأسرة والمؤسسات التربوية عن دورها في التوجيه والرقابة لضمان استخدام التقنية الحديثة فيما ينفع، خاصة وأن اعتزالها ليس بالأمر الممكن أو المقبول، في ظل ثورة تكنولوجية يجب أن نتفاعل معها بحكمة ومسئولية.
* كاتب وباحث في علم الإحصاء
abdelkader_khalel@yahoo.com