مباشر العربية

VIP


جديد الصور

جديد البطاقات

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

أجر عن العافية
09-02-33 11:40 PM

أجر عن العافية

ذات تاريخ، سأل كين أونج إمبراطور الصين العظيم أحد الدبلوماسيين البريطانيين عن أسلوبهم في التعامل مع المرض، وبعد محاولات متكررة تمكن الدبلوماسي اللبق من بسط النظام الطبي البريطاني المعقد أمام عيني الإمبراطور الغائرتين. وعندما أتم الرجل حديثه، قال أونج: "وهل يستطيع أحد من أصحاء إنجلترا أن يتحمل تبعة مرضه؟" ثم بدأ الإمبراطور في شرح طريقة التطبيب الصينية فقال: "أما أنا فلدي طاقم طبي مؤلف من أربعة أطباء أمنحهم راتبا شهريا كبيرا، لكن هذا الراتب يتوقف تلقائيا حين يلم بي أي مرض، ولا يستأنف الأطباء صرف رواتبهم إلا بعد أن أتعافى تماما."
في زمن لم تعد فيه الحكمة يمانية، على العرب أن يولوا وجوههم شطر دولة لا تعرف المرض إلا لماما ولا ينال المستشارون والأطباء فيها رواتبهم إلا على الصحة والعافية. علينا أن نراجع حجم استثماراتنا في المرض والفاقة والجهل والكساد والتغييب الفكري والثقافي إن كنا نريد لبلدنا الخارجة لتوها من رحم سبعة آلاف حزن أن تمتلك أقدامها. علينا أن نراجع حجم الإنفاق على أدمغتنا المعطلة في كافة القطاعات وأن نغلق بوابات الإنفاق السخي أمام سيارات لا يرد راكبوها لخزانة أمتهم ثمن وقودها أو فاتورة قسط شهري واحد من ديون إطاراتها التي لا تدور إلا في مهماتهم الخاصة.*
علينا أن نوقف صنبور البذخ الحاتمي الذي لا يفيض إلا على رؤوس بضعة نفر من أبناء هذا البلد ينالون من الامتيازات والحقوق ما لا تؤهلهم له قدراتهم المتواضعة مقابل وعود عرقوبية لا تعرف الغرس ولا الحصاد. علينا أن نوقف الإنفاق على المرض لهثا وراء صحة سرابية يدير إعلامها أطباء أفاكون لا يطيلون عمرا ولا يحفظون ذمة ولا مالا، وأن نقبض أيادينا عن مرابين بضاعتهم المرض والخوف والحاجة. فالأمة التي تنفق على المرض تنميه ولا تئده، والشعب الذي يدفع فاتورة أحلامه ليسدد ديون المتاجرين به لن يتقدم خطوة واحدة نحو الحرية، لكنه سيظل رهنا للنخاسة والبيع فوق كل الأرصفة.
يجب أن نحفز المنتجين لا الضاربين بالودع إن كنا نريد لهذا الوطن أن ينهض من كبوته وأن يخرج للعالم في حلة فكرية جديدة، وأن ندرك أن كثرة الاستشاريين الذين يتعاملون مع المرض لا مع العافية سيجنحون بالوطن نحو هاوية محققة إن عاجلا وإن آجلا طالما أنهم يتعاملون مع أدواء الوطن المستعصية بنفس الوصفات الشعبية التي تركها دجالوا العصر القديم فوق مكاتبهم الفخمة قبل أن يرحلوا. نحتاج إلى قياديين بقامة اللورد ويلي لو الذي أَبَّن عمَّه في كلمة ألقاها بمدينة كركالدي ذات يوم، وحين قاطعه منصت قائلا أن عمه لم يمت بعد، رد الرجل في يقين: "لا تقلق، فقد علمت أن بغرفته الآن ستة أطباء، وسوف يتولون الأمر حتما."
لا نريد أن نتعامل بنفس الطريقة التقليدية البالية مع واقعنا الجديد الذي يحتاج إلى علاجات سريعة لا مسكنات وقتية تزيد الإنفاق على الألم حتى تضعنا ذات يوم أمام كارثة وجودية لا تحتمل. وأن نخرج من عباءة البيروقراطية القميئة إلى عالم حر لا يقدس الملفات ولا يشترط تراكم الخبرات أو يبقى أسيرا للمحفوظات والأرشيفات إن كنا نريد أن ننشئ مؤسسات تنقل البلاد إلى موقعها المفترض لا موقعها الافتراضي.
ذات وعي، قام هنري فورد بتعيين أحد البصاصين في مؤسسته الضخمة، وطلب منه أن يعد له تقريرا أسبوعيا عن العاملين بها. وبعد أسبوع واحد، جاءه الرجل بتقارير كفاءة عن كافة الإداريين بالمؤسسة إلا رجل واحد. قال رجل الاستخبارات الفوردي: "كلما مررت عليه، رأيت نعلين فوق مكتبه، ورأسا مدلاة ذاهلة فوق كرسيها، لذا أعتقد جازما أن نجاح المؤسسة مرهون بالتخلص من رائحة جواربه." عندها ضحك فورد وقال: "لا يمكنني أن أقيل هذا الرجل، لأنني لا أعطيه أجرا عن العمل الذي يعمله، بل عن الأفكار الجديدة التي يأتيني بها."*
عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات
Shaer129@hotmail.com * *

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1666


خدمات المحتوى
تعليقات الفيس بوك

  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
#103818 [حامد شاكر]
0.00/5 (0 صوت)

09-11-33 04:12 PM
أسلوب رائع وفكر متميز

تحياتي لك أستاذنا عبدالرزاق

[حامد شاكر]

عبد الرازق أحمد الشاعر
عبد الرازق أحمد الشاعر

تقييم
0.00/10 (0 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

الحقوق محفوظة - صحيفة مباشر العربية - الرياض - المملكة العربية السعودية -ص ب 10053-رمز ب 21944